ابراهيم هنانو

 

 

إبراهيم بن سليمان آغا بن محمد هنانو

(1286 هـ/1869م - 1354 هـ/ 1935م)

 

 

 

 

 

زعيم سوري، قاوم الغزو الفرنسي. كان أحد قادة الثورة السورية على المستعمر الفرنسي .

نشأته


ولد إبراهيم هنانو في بلدة «كفر تخاريم» في محافظة إدلب غربي حلب في سورية. نشأ في أسرة كردية غنية، حيث كان والده سليمان آغا أحد أكبر أثرياء مدينة حلب، ووالدته كريمة الحاج علي الصرما من أعيان كفر تخاريم؛ أتم الدراسة الابتدائية في كفر تخاريم، ثم انتقل إلى حلب حيث أتم دراسته الثانوية. قام إبراهيم بأخذ أربعة آلاف ليرة ذهبية من والده من دون علمه ليدرس بالجامعة السلطانية في الآستانة، حيث كان والده يرفض سفره إلى الآستانة، وعاد إلى أهله بعد أربع سنين، ثم غادر مرة ثانية إلى استانبول لينهي دراسة الحقوق بعد ثلاث سنين أخرى.

 

زواجه وعائلته


أثناء عمله في استانبول، تزوج بفتاة من أرضروم، ورزق وقتها بابنته نباهت، وبعد ولادتها باثنتي عشرة سنة رزق بابنه طارق، وتوفيت زوجته بعد ولادة ابنه بخمسة عشر يوماً.

 

عمله


بعد إنهاء دراسته عين مديراً للناحية في ضواحي استانبول لمدة ثلاث سنوات، حيث تزوج. بعد انقضاء هذه المدة تم تعيينه قائم مقام بنواحي أرضروم ليبقى فيها أربع سنوات، ثم ليتم تعيينه بعدها قاضي تحقيق في كفر تخاريم، حيث بقي فيها ما يقارب الثلاث سنوات.
انتخب عضواً في مجلس إدارة حلب لمدة أربع سنوات، وعين بعدها رئيساً لديوان الولاية لمدة سنتين وذلك عند رشيد طليع والي حلب، والذي شجعه على الثورة في الشمال بالتنسيق مع الملك فيصل. وتم انتخابه ممثلاً لمدينة حلب في المؤتمر السوري الأول في دمشق في دورة (1919- 1920).

 

مقاومة الاحتلال


تم عقد اجتماع في منزل قائم مقام إدلب عمر زكي الأفيوني نهاية عام 1919 برئاسة هنانو، ضم الاجتماع كبار ووجهاء إدلب والمناطق المجاورة لها (وكان جمعة بيك بن سليم آغا النجاري ممثلاً عن منطقة جسر الشغور)، وعدد من الوطنيين من أنطاكيا والحفة واللاذقية، لتنظيم شؤون الثورة، وتم الاتفاق على اختيار هنانو لتأليف قوات عربية على شكل عصابات من المجاهدين لمشاغلة الفرنسيين الذين احتلوا مدينة أنطاكية والتي كانت تحت سيطرة عزة هنانو أخ إبراهيم، والذي اضطر لتسليم المدينة بناء على أوامر الحكومة العربية في سورية.
قام هنانو بجمع أثاث بيته وأحرقه معلناً بداية الثورة وقال جملته المشهورة: لا أريد أثاثاً في بلد مُستعمر، وكان أول صدام مسلح بين الثوار والقوات الفرنسية في 3/2/1919م، حيث استمر القتال لقرابة السبع ساعات. وأقام هنانو محكمة للثورة لكل من يتعامل مع فرنسا أو يسيء للثورة.
قامت فرق المجاهدين التابعة له، بإزعاج الفرنسيين محققة نجاحات ضخمة، فذاع صيت هنانو وكثر مريدوه، بل حتى إن ابنته طلبت خمسة رؤوس لجنود فرنسيين كمهر لها.
قام الأمير فيصل بالتوقيع على معاهدة الانتداب مع فرنسا في عام 1920، الأمر الذي رفضه الكثير من السوريين، حيث تصادم مع عبد الرحمن الشهبندر قائلاً: أنا من سلالة النبي، فرد الشهبندر: وأنا ابن هذا البلد، وأرفض كل وصاية. وأطالب بتشكيل حكومة قومية ثورية. إلا أن محمد كرد علي ساند الأمير، واندلع الخلاف بين السوريين.
أصبح وضعه بعد فترة صعباً بسبب حاجته الماسة للسلاح والعتاد، فقد كان الضغط الفرنسي كبيراً، فاضطر إلى الاستعانة بأصدقائه في تركيا لطلب العون. مما أمن له سلاحاً وذخيرة كانت كافية لإلحاق أضرار فادحة بالفرنسيين في جميع المواجهات، سواء من ناحية الأفراد أو العتاد. ويبلغ عدد المواجهات بين الطرفين التي قادها بنفسه سبعاً وعشرين معركة. بل إنه في معركة مزرعة السيجري، استطاع أسر جنود فرنسيين. وقام باسترداد مناطق واسعة من السيطرة الفرنسية منها منطقته التي ولد بها كفر تخاريم

 

قام الفرنسيون على إثر ذلك بدخول دمشق ومن ثم حلب لقمع الثورة، ولجأ هنانو وقواته إلى جبل الزاوية؛ ضمن المنطقة الحصورة بين حماة وحلب وإدلب، فقام الكثير بالانضمام إليه هنالك، ما سمح له بإنشاء قاعدة عسكرية ولتصبح المنطقة مقراً له. أطلق عليه أتباعه لقب المتوكل على اللـه بسبب قوله توكلنا على اللـه كلما ذهب مع قواته للإغارة على الفرنسيين.
قام بعدها بنقل منطقة قيادته إلى جبل الأربعين وازداد عدد أتباعه بسرعة بعد انتصاراته على الفرنسيين، فقام هنانو بإعلان دولة حلب وإقامة حكومة مستقلة بإدارته. إثر ذلك بدأت مفاوضات بينه وبين الفرنسيين ممثلة بكل من الكولونيل فوان والجنرال غوبو، واشترط هنانو للبدء بالمفاوضات إيقاف تحرك القوات الفرنسية.

 

قام مصطفى كمال أتاتورك بتوقيع اتفاقية مع فرنسا، وأوقف معونته للثوار السوريين، ما أدى إلى إضعاف موقف هنانو في المفاوضات. وأصر الفرنسيون على أن تصبح الدولة التي يطالب بها في المناطق التي تخضع لثورته (إدلب- حارم- جسر الشغور- أنطاكية)، مكبلة بقيود عسكرية مع الفرنسيين. الأمر الذي رفضه هنانو، ورأى به اتفاقاً مذلاً. واتضح له لاحقاً أن فرنسا تجمع قواتها كلها إلى الساحل السوري. ولهذا كانت تفاوض هنانو لإلهائه فقد قام غورو بجمع 100.000 جندي على الساحل السوري.

 

اتصالاته مع لينين


جاء في كتاب يوسف إبراهيم يزبك في كتابه أول نوار- ذكريات وتاريخ نصوص: «أخبرني الزعيم إبراهيم هنانو في إحدى ليالي اصطيافه ببحمدون أن لينين أوفد إليه ضابطاً من القفقاس عرف هنانو قبل بضع سنوات وعمل معه في خدمة الحكومة العثمانية في ولاية حلب. وكان الضابط يحمل رسالة مكتوبة بالتركية يعرض فيها مساعدة الثورة السورية التي حمل سلاحها إبراهيم هنانو وإخوانه فلاحو جبل سمعان على الاحتلال الفرنسي بعد نكبة ميسلون. وسألت الزعيم هنانو عن مصير الرسالة، فأجاب أبو طارق: «إنها عدة رسائل وليست واحدة، تبودلت بيني وبين بطل البولشفيك لأجل إشعال نيران الثورات على الفرنسيين والإنكليز في تركيا وسورية والعراق وفلسطين ومصر. وكان لينين مخلصاً فيما عرضه علي ولكنه أراد أن تكون الثورات من الشعوب الإسلامية».

الأوضاع السياسية


قام غورو بتقديم إنذار تضمن عدة شروط منها: تسليم خط رياق، حلب، وحل الجيش السوري، وقبول الانتداب الفرنسي. كما اشترط قبول العملة الورقية الفرنسية، وطالب بتغيير الحكومة. فقام الملك فيصل بقبول الإنذار، وأرسل برقية لغورو يعلمه بذلك. إلا أن العسكريين رفضوا الإنذار. وقام يوسف العظمة بتقسيم سورية إلى عدة جبهات للتحضير لقتال الفرنسيين. قام بعد ذلك الملك فيصل بتكيلف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومة جديدة، ما أدى إلى خروج السكان في مظاهرات ومهاجمة القلعة (مقر الملك) مطالبين بتسليحهم، لكن الحرس الملكي قتل منهم ما يقارب الـ200 شخص. ولينسحب يوسف العظمة من المؤتمر الوطني.
قام الفرنسيون بعد معركة ميسلون بتقسيم سورية إلى خمس دول. وضعت صبحي الحديدي رئيساً لدولة حلب، بدلاً من هنانو، الذي حاول احتلال دولة حلب من دون فائدة.

الأسر
حكم على هنانو أربعة أحكام غيابية بالإعدام من قبل محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية، ومع سيطرة الفرنسيين على الطرق، ونقص الدعم العسكري لهنانو، اضطر في يوليو 1921 إلى مغادرة معاقله إلى الجنوب، حيث حاول التفاوض مع الشريف عبداالله. في الطريق إلى شرق الأردن تعرض لكمين قرب جبل الشعر بالقرب من حماة في 16 يوليو 1921م، في معركة مكسر الحصان، حيث فقد معظم من كان معه. واستطاع هو النجاة بنفسه. وتم القضاء على ثورته.
تطلعات هنانو السياسية لم تكن ملائمة للشريف عبد اللـه ولم يتم اللقاء بينهما، فأكمل هنانو طريقه إلى القدس، حيث قبض عليه الإنكليز في 3/1/1921م وسلموه إلى الفرنسيين.


محاكمة هنانو


وبعد القبض على هنانو قدم إلى محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية بتهمة الإخلال بالأمن والقيام بأعمال إجرامية، وعقدت المحاكمة أولى جلساتها في (16 رجب 1340 هـ= 15 مارس 1922 م) في ظل إجراءات أمن مشددة، وترافع فتح اللـه الصقال أبرز محاميي حلب للدفاع عن هنانو. حيث أظهر أن التهمة باطلة كون هنانو خصماً سياسياً وليس مجرماً، بدليل أن الفرنسيين قبلوا بالتفاوض معه مرتين ووقعوا معه هدنة. وعندما قال رئيس المجلس العرفي العسكري للزعيم هنانو: إن الشعب السوري لم يطلب منك إعلان الثورة؟.. ودون إذن من الرئيس وقف سعد اللـه الجابري وقال: «إننا نحن الذين طلبنا من الزعيم هنانو مقاتلتكم.. ونحن لن نتخلى عن مقاتلتكم، مادام فينا وطني واحد، حتى تخرجوا من بلادنا». في 25 مارس 1922م طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدامه قائلاً: «لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعاً»• لكن القاضي الفرنسي أطلق سراح هنانو معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة، معلناً استقلالية السلطة القضائية الفرنسية عن السلطة العسكرية.
بعد انتهاء المحاكمة وإطلاق سراح هنانو حاول الصقال أن يُدخل هنانو لشكر رئيس المحكمة على حكم البراءة، فاعتذر الرئيس عن استقبال هنانو في مكتبه قائلاً: أنا لا أصافح رجلاً تلوثت يداه بدماء الفرنسيين، عند الحكم كنت على منصة القضاء، أما الآن فأنا مواطن فرنسي.

 

مرحلة السياسة


كان هنانو أحد أعضاء الكتلة الوطنية، وتولى زعامة الحركة الوطنية في شمال سورية. في عام 1928 تم تعيينه رئيساً للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري، إلا أن المفوض السامي الفرنسي سعى إلى تعطيل الجمعية التأسيسية والدستور، ما أدى إلى خروج مظاهرات تطالب بتنفيذ بنود الدستور. وفي عام 1932 وفي مؤتمر الكتلة الوطنية انتخب إبراهيم هنانو زعيماً للكتلة الوطنية. وفي عام 1933 لعب دوراً في استقالة حكومة حقي باشا العظم، بسبب نيتها الموافقة على المعاهدة الفرنسية.
محاولة اغتياله


في أيلول 1933م قام شخص يدعى نيازي الكوسى، بإطلاق النار على هنانو أثناء وجوده في قريته إلا أن الرصاص أصاب قدمه، وتم القبض على الكوسى في أنطاكية، وحكم بالسجن عشر سنوات، إلا أن المفوض السامي الفرنسي أصدر عفواً خاصاً بحق الكوسى، ما دفع الجميع للاعتقاد بعلاقة الفرنسيين بحادثة الاغتيال.

 


وفاته

 


قصد الزعيم إبراهيم هنانو قريته «السيدة عاتكة» للإشراف على بعض أعماله الزراعية هناك! قبل الذهاب إلى دمشق، بعد أن استأجر بيتاً للإقامة فيها، خلال فصلي الشتاء والربيع. كان الزعيم يتمتع بكامل صحته. وفي صباح الخميس الثاني عشر من تشرين الثاني 1935م تناول قهوته، ثم قصد إلى كرم زيتون ليشرف على العمال ويتريض قليلاً. ولكنه أحس بشيء من البرد والألم، فعاد إلى غرفته. وما لبث الألم أن اشتد عليه، فأرسل ابنه طارق إلى حلب، ليحضر له سيارة تنقله إلى حلب. وحين تأخر طارق في العودة، أمسك الزعيم ساعة، وصار يعد نبضه. وحين شعر أن عدد نبضاته يتجاوز المئة، ألقى الساعة من يده، وقال لمن حوله: «قولوا لإخوتي الوطن بين أيديهم».
توفي في يوم الخميس الموافق 12 نوفمبر 1935م، وصلي عليه في الجامع الأموي بحلب.

أحزان الوطن
كان أول من أبلغ بالنبأ الصادع، رفيق دربه وجهاده سعد اللـه الجابري، الذي بادر إلى نعيه إلى رجال الكتلة الوطنية، والملوك والأمراء والوزراء، وكبار الشخصيات العربية. وقد أذن المؤذنون في الجوامع، وقرعت الأجراس في الكنائس، وهي تنعي للأمة زعيمها ورجلها المناضل. عتم الحزن أرجاء الوطن العربي كله، وتدفقت برقيات التعازي من كل مكان. وشيع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير، يوم السبت الرابع عشر من تشرين الثاني تشييعاً حافلاً، لم تشهد البلاد مثيلاً له من قبل. وشاركت في التشييع وفود من مختلف الأقطار العربية والمحافظات السورية.
بعد أن ووري الجثمان الطاهر الثرى، تسابق الخطباء والشعراء إلى تأبين الفقيد الكبير. وكان بين الخطباء فارس الخوري، صبري العسلي، عبد الرحمن الكيالي والشاعر عمر أبو ريشة. لبست البلاد ثياب الحزن، وصدرت الصحف مجللة بالسواد، وأغلقت المدن ثلاثة أيام حزناً على زعيمها. وتسابق الكتاب ورجال القلم إلى تدبيج المقالات الطوال في ذكر مناقب الزعيم وتعداد مواقفه البطولية. وكان أبرز من كتب: نجيب الريس صاحب جريدة القبس، ونصوح بابيل صاحب جريدة الأيام، ومعروف الأرناؤوط صاحب جريدة فتى العرب، ويوسف العيسى صاحب جريدة ألف باء، والدكتور منير العجلاني، وجبران تويني صاحب جريدة النهار البيروتية، وغيرهم كثيرون جداً.
ودعت الكتلة الوطنية بعد ذلك إلى حفل تأبين كبير أقيم بدمشق في العاشر من كانون الثاني 1936 على مدرج الجامعة السورية، وحضرته وفود من مختلف الأقطار العربية، وتليت فيه كلمات وبرقيات الملوك والأمراء والوزراء ورجالات الوطن.


الأعمال التلفزيونية


* مسلسل حمام القيشاني، تناول الجزء الثاني منه فترة كفاح هنانو وصالح العلي.
* مسلسل إخوة التراب.
أسماء الشوارع: في جميع المحافظات السورية تم تخصيص شارع رئيسي يحمل اسم إبراهيم هنانو.

 

المصدر : جريدة النهضة

 

 

 

تاريخ النشر: 2020-02-10